أحمد ياسوف
171
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الحادة المقصودة تؤثر ، ويؤكد شدة لَيُزْلِقُونَكَ جرسها وإيقاعها وتأكيدها باللام ، ونطق حروفها التي تحدث حركة غير منتظمة في اللسان ، تبتدئ بانزلاق اللسان ، وتنتهي بتعلقها بوسط الفم من العلو ، كما أنها تنطق من نفسية كفار مكة ، وهم في أشد تحرشهم وهيجانهم على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتبدو معالم هذه النفسية وهي تموج حقدا وبغضا وغلا » « 1 » . وقرين بالانزلاق حركة الهوي السريعة التي تضعنا أمام حركة آخذة في الاتجاه إلى الأسفل بكل ما يرمز من روح شيطانية ورذائل وقعر جهنم ، خصوصا إذا تذكرنا أن العلو ملحوظ في أوصاف الجنة . قال عز وجل : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [ طه : 81 ] وفكأن الغضب قوة ضاغطة إلى الأسفل تدفع هذا المغضوب عليه ، ولنا أن نتصور أن الهوي اندفاع نفسي سريع نحو الرذائل ، أو اندفاع سريع نحو قعر جهنم ، فالحركة ذهنية لصلتها بعالم النفس ، وهي كذلك لصلتها بعالم الغيب حيث لم يحدث هذا الهوي ، إنما هو استباق زمني . وقال عز وجل : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [ الحج : 31 ] ، فهو تمثيل لقضية الارتداد عن الإيمان ، فثمة حركات ثلاث : الخرّ من السماء ، واختطاف الطيور ، والهوي في عميق الأرض ، والصورة الأولى مروعة لشدة غرابتها خصوصا عند القدامى ، إذ ليس من عهدهم سقوط رجل من السماء كما يحدث مع الطيران في عصرنا ، وهي حركة محفوفة بقوة غيبية لصلة مفهوم السماء بالخالق ، أما الصورة الثانية فهي مؤلمة وحشية تومئ إلى وحشية الكفر وتذكّر بأنس الإيمان . وفي رأينا أن تعدد الحركات في هذه الآية يشير إلى حال التشتت عند
--> ( 1 ) الإعجاز الفني في القرآن ، ص 102 .